السيد كمال الحيدري
236
السلطة وصناعة الوضع و التأويل (دراسة تحليلية تطبيقية في حياة معاوية بن أبى سفيان)
من هنا يشكِّل الارتكان للسنّة النبوية التي تمثّل مواقف محدّدة ذات واقع تاريخي معيّن يتّفق بشأنه المسلمون ، خيرَ مخرجٍ من النقاشات الجدالية العقيمة التي يقع فريستها بعض أصحاب الأهواء أو من ليس له دراية ودربة في فهم القرآن الكريم وتفسيره ودراسته . وعلى هذا فإننا ، وانطلاقاً من هذه الملاحظة المنهجية ، وضعنا نصب أعيننا ، ونحن نخوض في بعض تفاصيل التاريخ الإسلامي ، أن نفسح المجال للسنّة النبويّة بنحو أوسع ، لاسيمّا وقد اشترطنا على أنفسنا - استثماراً لهذه الملاحظة في حدودها القصوى - أن لا نعتمد ما ينسب للنبيّ الأكرم ( ص ) إلا ما كان محلّ قبول لدى الطرف الآخر . وقد وجدنا من خلال الكثير من التجارب والاختبارات أن هذه الملاحظة تمتلك من الحكمة والمنطقية ما يجعلها بحقّ واحدةً من غرر ودرر الكلام العلوي ، وأن كثيرين ممن اختلفنا معهم بشأن بعض قضايا المعتقد والتاريخ الإسلاميين يحارون في معالجة الأخبار النبوية المعارضة لآرائهم بنحو أكبر مما لو كان هذا المعارض نصّاً قرآنياً قد يسهل الالتفاف على معناه لسببٍ أو لآخر . في هذا الفصل سنقف عند واحدة من تلك القضايا التي حسمت السنّة النبوية الأمر بشأنها ، وأبانت بنحوٍ جليّ طبيعة التصوّر الإسلامي حولها ، وهي قضية كون معاوية الذي تسلّم بالقوّة والمكر والدهاء أسمى منصب سياسي لدى المسلمين ، وهو منصب خلافة رسول الله ( ص ) ، ما هو في الواقع ، وتبعاً للسنّة النبوية نفسها ، إلا واحد من أئمّة البغي والعدوان الداعين إلى الضلال والانحراف عن الإسلام وقيمه ومعتقداته ، وسنرى كيف أن هذه السنّة النبوية وما تملكه من ثباتٍ في الإسناد ووضوح في الدلالة قد مثّلت مأزقاً حقيقياً للمدافعين عن معاوية ، حتى دعتهم في بعض الأحيان إلى التزام